إن مصطفى عرابي ليس الشخصية المعيارية التي تعرفها من طبقة العمال. ربما فوته عندما انتظرته في مركز رام الله لأنه يظهر مثل عامل يومي متوسط. يبلغ طوله 1.80 متر, ذو مظهر متسفع, وله بعض الندب هنا وهناك. ومع ذلك عيناه تشبه عيني المثقف وتزينهما نظارات. إنه نشيط ذاتي التعلم تميل الإيديولوجية التي يؤمن بها نحو اليسار. وهو يؤمن بحل الدولة الواحدة الثنائية الوطنية. ويكون مصطفى سلس التعبير وله معتقدات واضحة وراسخة بالنسبة للقضية الفلسطينية.
وجهه مغطى بالغبار, وذلك ربما لأنه التقي بي فور العمل. ويجري لقائنا في رمضان, شهر الصوم الإسلامي, فلذلك أقترح عليه أننا نقعد في المنتزه, إذا كان يصوم. فهو يمشي, بلا تردد, باتجاه شارع "فندق الأنكل سام", وندخل عن طريق درج عمارة قديمة مطعمًا صغيرًا أبوابه مغلقة من الخارج. وكان المكان مكتظًا بزبائن من الطبقة الكادحة خاصة. "هل يزعجك إذا دخنت؟" يسأل بنبرة متواضعة بينما يطلب فنجان قهوة. "في هذا المكان لا تزال القهوة تقدم بشيقلين إسرائيليين (50 سنتًا تقريبًا). لا يمكنك أن تجد في رام الله فنجان قهوة بثمن أرخص من 10 شواقل". وأهز رأسي للموافقة, وهو يضيف قائلاً: "هذا هو مطعم مخصص لنا, للفقراء".
وليس مصطفى كذلك شابًا معياريًا يبلغ في ال-25 من عمره. إنه يبدو كأنه أكبر من هذه السن. له هيأة خشنة تميز, إلى حد بعيد, الفلسطينيين الذين لا يزالون عائشين في مخيمات اللاجئين. وأصل مصطفى من قرية قريبة من مدينة اللد في إسرائيل, تدعى بيت نبالا. وهدفه النهائي هو أن يملك حق العودة إلى هناك, أو, على الأقل, أن يمنح له حق الاختيار ليتمكن من السكن هناك. وتعيش عائلته منذ 1948 في مخيم اللاجئين جلزون. وعلمني درسًا مطولاً عن جلزون, آملاً أن قد تصل بعض هذه المعلومات الأساسية إلى مكان ما أبعد.
وشرح أن الأرض التي يقع مخيم جلزون عليها تابعة لقرية جفنة الفلسطينية المسيحية, التي عرض سكانها الكرماء كيلومترًا مربعًا واحدًا على اللاجئين ليسكنوا هناك (ويتبين من الدراسة التي أجريتها أن مساحة مخيم اللاجئين هي 0.3 كم مربع فقط). ويزدحم أحد عشر ألف لاجئ فلسطيني في هذه المساحة الضيقة للغاية ويحاصرهم الاحتلال الإسرائيلي بجدار. وأصل هؤلاء اللاجئين من 36 قرية فلسطينية مدمرة داخل إسرائيل. وقد كانت مساحة أصغر قرية منها أربع أضعاف من مساحة مخيم اللاجئين اليوم.
ويعمل مصطفى منذ 11 سنة. وقد ترك المدرسة بعد الصف التاسع, ويعرّف نفسه الآن عامل ترميمات. إنه كذلك عضو مجلس الإدارة ومتطوع في مركز جماهيري صغير للشباب, ساعد على تأسيسه داخل مخيم اللاجئين, ويدعى "صندوق خالد وكيل للزعماء الشباب".
ويهتم هذا الصندوق خاصة بتوفير المجال للفتيان للتعبير الذاتي. يؤمن مصطفي بأن دوره كمحافظ على الهوية والإيديولوجية الفلسطينيتين (وخاصة حق العودة) اللتين يستهدفهما الاحتلال (هكذا يعتقد) ويريد محوهما. ويعتقد مصطفى بأنه أمر ضروري مساعدة الفتيان الفلسطينيين على معرفة المزيد عن فلسطين, ومعرفة القصة من وراء حياتهم البائسة في مخيمات اللاجئين, ومساعدتهم على منعهم أن يصبحوا ضحايا واقع الحياة التي يعيشها.
ويقول مصطفى مصرحًا: "إذا كان هدف اللقاء غدًا المناقشة, بأي شكل كان, لفكرة إسكان اللاجئين في الأماكن التي يقيمون فيها حاليًا كحل نهائي لمصيبتهم, فلدي كلمات صارمة سأقولها للضيوف". وقد أرسل رسالة للحكماء مفادها: "هل أنتم هنا لتحاولوا أن تحكوا للعالم عن مصيرنا؟ أو أنكم أداة لإعادة إسكاننا في الأماكن التي نقيم فيها حاليًا؟"
ويضيف مصطفى قائلاً: "إن المشاكل الجوهرية بالنسبة لي هي تقديم أي نوع من الدعم للفلسطينيين, إن كان ذلك من الناحية المالية أو المعنوية. ولكن إقامة البنى التحتية الضرورية أو إتاحة فرص العمل الأحسن, لا يشكل بديلاً لحق العودة إلى بيوت أجدادنا". وكان مصطفى متهيجًا عندما تكلم عن الانشقاقات الداخلية في السياسة الفلسطينية. إنه يخاف أن هذا الانشقاق هي نقطة الضعف الأكثر وضوحًا للفلسطينيين. إنه يخاف أن "الغرب" يقوم بالتحريض ويغذي هذا الشكل من الانشقاق لوضع الحد لأي احتمال لإيجاد أي حل كان لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين, التي هي العامل الحاسم في عملية السلام, في رأيه.
وسألته: "هل لديك أي طموحات شخصية؟" فأجاب قائلاً: "يصعب على الفلسطينيين أن يميزوا بين الناحية الاجتماعية والناحية السياسية. هكذا نعيش حياتنا اليومية."
الآراء تعبر عن آراء صاحبيها ولا تمثل بالضرورة آراء مؤسسة الحكماء